عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
213
اللباب في علوم الكتاب
فصل في الأحكام المستفادة من الآية قال القرطبيّ « 1 » : تضمّنت هذه الآية الكريمة ستّ عشرة قاعدة من أمّهات الأحكام : الإيمان باللّه وبأسمائه ، وصفاته ، والحشر ، والنشر ، والصراط ، والحوض ، والشّفاعة ، والجنة ، والنار ، والملائكة ، والرّسل ، والكتب المنزلة ، وأنّها حقّ من عند اللّه ؛ كما تقدم ، والنّبيين ، وإنفاق المال فيما يعنّ له من الواجب ، والمندوب ، وإيصال القرابة ، وترك قطعهم ، وتفقّد اليتيم ، وعدم إهماله المساكين كذلك ، ومراعاة ابن السبيل ، وهو : المسافر المنقطع به ، وقيل : الضعيف ، والسّؤّال ، وفكّ الرقاب ، والمحافظة على الصّلوات ، وإيتاء الزّكاة ، والوفاء بالعهود ، والصّبر في الشّدائد ، وكلّ قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب . وقوله « فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ » : قال ابن عبّاس : يريد الفقر بقوله : « البأساء » ، والمرض بقوله : « والضّرّاء » ، وفيهما قولان : أحدهما : وهو المشهور أنّهما اسمان مشتقّان من البؤس والضّرّ وألفهما للتأنيث ، فهما اسمان على « فعلاء » ولا « أفعل » لهما ؛ لأنّهما ليسا بنعتين . والثاني : أنهما وصفان قائمان مقام موصوف ، والبؤس ، والبأساء : الفقر ؛ يقال : بئس يبأس ، إذا افتقر ؛ قال الشاعر : [ الطويل ] 917 - ولم يك في بؤس إذا بات ليلة * يناغي غزالا ساجي الطّرف أكحلا « 2 » قوله : « وَحِينَ الْبَأْسِ » منصوب ب الصّابرين ، [ أي ] : الذين صبروا وقت الشّدّة ، والبأس : شدّة القتال خاصّة ، بؤس الرّجل ، أي : شجع . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : يريد القتال في سبيل اللّه ، وأصل البأس في اللغة : الشّدّة ؛ يقال : لا بأس عليك في هذا ، أي : لا شدّة و بِعَذابٍ بَئِيسٍ [ الأعراف : 165 ] أي : شديد ، ثم يسمّى الحرب بأسا ، لما فيه من الشّدّة ، والعذاب يسمّى بأسا ؛ لشدّته ، قال تبارك وتعالى : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [ غافر : 84 ] فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا [ الأنبياء : 12 ] فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا [ غافر : 29 ] . قوله : « أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا » مبتدأ وخبر ، وأتى بخبر « أولئك » الأولى موصولا بصلة ، وهي فعل ماض ؛ لتحقّق اتصافهم به ، وأن ذلك قد وقع منهم ، واستقرّ ، وأتى بخبر الثانية بموصول صلته اسم فاعل ، ليدلّ على الثبوت ، وأنه ليس متجدّدا ، بل صار كالسّجيّة لهم ، وأيضا : فلو أتى به فعلا ماضيا ، لما حسن وقوعه فاصلة . قال الواحديّ « 3 » - رحمه اللّه - : إن الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع ،
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 162 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 1 / 671 والدر المصون 1 / 450 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 40 .